حيدر حب الله

133

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

نتصّور أنّ المنافقين قد ضعُف وجودهم وخمدت جذوة نشاطهم في أواخر العصر المدني ، وصار تأثيرهم محدوداً بفعل الخطوات النبويّة التي جاءت عقب الأوامر القرآنيّة الحاسمة ، وإن لم تنته فعاليتهم مطلقاً . لكن يظلّ السؤال : هل انكشفت الظاهرة النفاقيّة كلّها للنبيّ صلى الله عليه وآله أو لا ؟ لا يوجد ما يؤكّد هذا الأمر ، بل ما سبق استعراضه من الآية : 101 ، من سورة التوبة ، يفيد الجزم ببقاء البعض ممّن لم يعرفه النبيّ ، نعم ، هذه الآية تفيد وجود بعض المنافقين في أهل المدينة والأعراب المحيطين بها ، وهذان العنوانان غير واضحين في التدليل على وجود نفاق في الأصحاب المقرّبين من النبيّ ؛ إذ لا تكشف عن أنّ منافقي أهل المدينة كانوا من الأصحاب الملازمين للنبيّ صلى الله عليه وآله أو لا ؟ فهذه الآية تبطل عدم نفاق أحد من الصحابة بالمعنى الحديثيّ ؛ للجزم عادةً بأنّ أهل المدينة يرون النبيّ ، لكنّها لا تستطيع إبطال عدم نفاق أحد منهم بالمعنى الأصولي ؛ لعدم مساوقة عنوان ( من أهل المدينة - الأعراب ) لعنوان الصحابي بالمعنى الأصولي ، بل بينهما تداخل ، بل قد يُدّعى خروج المهاجرين من مكّة عن هذين العنوانين . وهذا يعني أنّ آيات النفاق غاية ما يمكنها التدليل عليه هو إبطال نظريّة عدالة الصحابة بالمعنى الحديثي ، لكن من غير المعلوم أنّ الصحابي بالمعنى الأصولي كان من ضمن المنافقين الذين ورد النصّ على وجودهم وعلى عدم معروفيّتهم للنبيّ ، فإثبات وجود الظاهرة النفاقيّة لا يساوق إثبات نفاق بعض الصحابة بالمعنى الأصولي ، أرجو التدقيق جيّداً ؛ فإنّ القائل بعدالة الصحابة بالمعنى الأصولي يمكنه التمسّك بالعام لتعديل جميع الصحابة بالمعنى الأصولي لو ثبت له دليله ، ولا يعارضه الدليل القرآني على ثبوت ظاهرة النفاق بين المسلمين في المدينة ؛ لأنّه لا يُحرز شمول ذلك للصحابي بالمعنى الأصولي مصداقاً ، فكيف يراد التمسّك بالعام عبر خاصٍّ لا يُحرز أصلًا شموله لأحد مصاديق العام ، فلابدّ من إحراز هذا الشمول بدليلٍ آخر ، ثم إجراء المقاربة القرآنيّة المذكورة هنا بهذه الطريقة ، وهذا استنتاج بالغ الأهميّة في موضوع بحثنا هنا .